عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

77

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

كماليته مخصوصة بالنبي - صلى اللّه عليه وسلم - حين يقول : « ربي زدني تحيرا » « 1 » ومن اختصاصه - صلى اللّه عليه وسلم - بهذا المقام خصه اللّه تعالى بقوله : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [ محمّد : 19 ] يعني لما أفنيتك عن أنانيتك ، وأبقيتك بهويتي ، فلم يبق لك ولغيرك وجود في نظرك إلا وجودي ، فعلمت أنه لا إله إلا أنا ، ولا وجود إلا وجودي . كما قال الجنيد : ما في الوجود سوى اللّه استغفر لذنبك . أي : لذنب علمك لأن العلم يستدعي العالم والمعلوم ، والعلم ثلاثة ، فذنب علمك أنه أثبت لك وجودا ، ووجودك ذنب لا يقاس به ذنب . ثم اعلم أن لكل عمل من مكتسب الإنسان وصفته جزاء متناهيا كمكسب الإنسان وصفته ، ولكل عمل من مواهب اللّه والتخلق بخلقه جزاء غير متناه ، فالصبر لما كان مواهب اللّه ، والتخلق بخلقه كان له جزاء غير متناه كما قال تعالى : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 10 ) [ الزمر : 10 ] لهذا كان جزاء الصبر أحسن الجزاء لقوله تعالى : وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ النّحل : 96 ] وكمال الصبر في الرضا بالصبر على ما يكره ، طلبا لرضى مولاه كما أنشد ابن عطاء لنفسه : سأصبر كي ترضى وأتلف حسرة * وحسبي أن ترضى ويتلفنى صبري وسأخبر عن مقام الرضا إن شاء اللّه تعالى . الفصل الخامس في مقام الرضا قال اللّه تعالى : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ المائدة : 119 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « يقول اللّه لأهل الجنة : يا أهل الجنة فيقولون : لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : ربنا ما لنا لا نرضى ، وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحدا من خلقك فيقول : أفلا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ قال : فيقولون : ربما فأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا » . اعلم أن اللّه تعالى جعل الرضا قسمين ؛ رضا اللّه عن العبد ، ورضا العبد

--> ( 1 ) هذا الحديث لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .